أي قصة حُب تعيش؟- الجزء الثالث

١٠ سبتمبر ١٩٨٩

الساعة الخامسة فجراً..

استنشق يزيد أول نَفَس، وودعت أمه آخر نَفَس..

أحتفل بالحياة بصرخة..

بكا فراق الرحم الذي احتواه بصرخةٍ أكبر..

ونعى رحيل أمه بصرخة أكبر وأكبر..

.

"أن لا تأتي للحياة، خيرٌ من أن تأتيها يتيم الأم"

هكذا كان لسان حال يزيد وهو يتنقل بين يدي خالاته وعماته..

أن تَكبُر وأنت تبحث عن حضن، وإن وجدته تطمئن، ثم فجأة تؤخذ منه إلى حضنٌ آخر، ثم تُقتلع وتبقى بدون حضن!

هل ستثق في حضن أي أحد بعد ذلك؟

نعم..

حضن الأيام، وحُضن الإله، فقط لا غير.. !

مضى يزيد حياته وهو يتعلم كيف يرعى نفسه..

حَضِيَ بكثير من الأمهات في حياته، ولكن مع انشغالهم بأطفالهم الحقيقين..

ومع انشغال أبيه بعائلته الجديدة..

كان هو الأم الأولى والأب الأول لنفسه..

لم يستسلم أمام تحدياته، تجاوز كلاً منها ونما من خلالها..

نموه الداخلي كان أكبر من نموه الخارجي..

ونجاحاته تسبق اسمه..

وبسمته وتفاؤله يسبق قصة يُتمه وألمه..


أصبح يزيد رجلاً عظيماً في نظر كل بنت من بنات العائلة..

ولكن الوحدة واليُتم علموه درساً: "أن الحياة أفضل وهي تحت السيطرة.. "..

لا يدخل أحد ويرحل..

لا تستند على كتف ويُكسر..

لا تنام على حضن ويختفي..

"أن تبقى وحيداً قوياً، خيرٌ من أن تبقى محبوباً ضعيفاً.. " هكذا كان يقول يزيد..


كان يعشق يزيد السفر..

يجد فيه مساحته الخاصة للإبحار في ذاته والاندماج مع الكون، واكتشاف نفسه والحياة بوجوه مختلفة..

في إحدى سفراته إلى الهند..

كان يتجول في مدينة رشيكش، وجد فيها من السلام مالم يشعر به من قبل..

ومن الفقر مالم يُدرك به من قبل..

ومن الراحة والسكينة على وجوه أصحابها، كما لم يشعر من قبل..

ومن صعوبة العيش وقلة النظافة كما لم يُجرب من قبل..

كان صعب عليه أن يرى المتناقضات في مكان واحد!

كان صعب عليه أن يرى السعادة والفقر والسلام والتكدس والقدسية وروث البقر على الطُرقات، كلها في نفس اللحظات!

أدرك لحظتها أن هذه المدينة تحمل له رسائل وأسرار..

ظل فيها ما يُقارب الشهر، بين سكانها، يعيش قصصهم، ويراقب صلواتهم،،

أكتشف أنه أثرى من غالبيتهم مادياً بمئة مرة على الأقل، ولكنهم أثرى منه في السعادة بمئة مرة كذلك..

بعد أن سمح لنفسه أن يكون منهم وبينهم لهذا الشهر، اكتشف أن اغلب فقره في السعادة يكمن في العلاقات..

حينما ينتهي يومه ويعود إلى غرفته الكائنه في أجمل منتجعات المدينة، يعود صديقه الهندي "أنوب" لعائلته الكبيرة المُكونه من ١٥ شخص، في بيت طين بغرفٍ ثلاث فقط، ليتشاركوا وجبة العشاء، بكل امتنان وسعادة و حب..


دعاه مرةً صديقه الهندي إلى العشاء البسيط الثريّ، وفرح يزيد..

يريد أن يعرف أكثر عن اسرار سلامه وبسمة وجهه..

حينها التقى بعائلته وعرف الكثير..

عَرِفَ أن طعم الأكل سيسكن لسانه إلى الأبد..

و عَرِف أن ضحكات أخواته وحميمية أحاديثهم ستسكن ذاكرته..

حينها فتح مذكرته في جواله الفخم وكتب:

"لا يهم نوع الطعام ودرجة فخامته وطريقة تقديمه كما يهمّ نكهته و مع من تأكله"..

أمضى الليلة الهنيئة مع أنوب وعائلته، ومضى إلى غرفته الفخمة، ولأول مرة يدرك أنه "وحيد"!


استيقظ فجراً وكان أنوب بانتظاره لاكتشاف منطقة جبال الهملايا سوياً..

منظر شروق الشمس مع الأحاديث في الثقافات والأديان كانت من امتع ما يمكن!

إلا أن يزيد اختار أن يتطرق لمنطقة خطِرة بالنسبة له..

سأل يزيد: "رأيتك بالأمس سعيداً مع عائلتك، يبدو أنهم اشخاص مهمين جداً في حياتك"

أجاب أنوب: "إن هذه الوجبة التي حضرتها هي طقوس يومية تجمعنا ويستحيل ان يغيب أحدنا عنها، وإن الحميمية والروحانية التي شعرت بها بيننا هي مايُبقينا أحياء أمام تحديات الحياة، رغم أننا فقراء بالمال، لكننا أثرياء بالحب"..

سأل يزيد: "ألا تخاف فقد أمك؟ ألا تخاف غياب أبيك؟ ألا تخاف رحيل من تحب؟"

أجاب أنوب: "أمي وأبي كباراً بالسن، وإني نعم أخاف فقدهم، ولكنّي استمتع بقربهم أكثر، وإني أعرف انهم لن يرحلوا قبل وقتهم، وإن رحلوا فسيكون هذا الوقت الأنسب لي كذلك، و إنّ الله والكون سيلهموني القوة والصبر على فراقهم والأمل والحب للمضي في الحياة، كل ما املك هو اللحظة الحالية، وهم معي الآن، لماذا اقضي عمري خوفاً من الغد، وربما أن أرحل انا قبلهم!"

سكت يزيد، ونزلت دمعة من عينيه وقال: "أنني هنا شهر.. أبحث عن ما يمنحكم السلام والبسمة أمام قسوة الفقر، ربما وجدت اجابتي، انك تملك مالستُ أملكه، أنك تملك الحب العميق"..

وانفجر باكياً، تذكر تفاصيل يُتمه التي حكاها لأنوب..

وأخبره أنوب جملة واحدة اختصرت كل مايحتاجه:

"أكيد أنت لست المسؤول عن فقد أمك وانشغال أبوك، لست المسؤول عن غياب الحُب في حياتك في الماضي، ولكنك المسؤول عن غيابه الآن، الحب العميق هو حقيقتك، تملك كل ما تحتاجه لإيجاده والاتصال بِه وبناؤه، فقط اكسر الحواجز، وتأكد أن كل ما حدث لك في حياتك هو لخدمتك، و إن لم ترعاك أُماً فقد رعاك خالق الأم، وإن لم يرعاك أب فقد رعاك الكون"..

.

.

وجد يزيد ضالته..

واستعد للمغادرة..

احتضن أنوب لأول مرة بحب، و بدون خوف..

حزن لفقده، سيشتاقه كثيراً..

بكا أمام باب الطيارة..

جلس على مقعده، أخرج جواله وكتب:


"مهمتي القادمة.. أن أحب بعمق..

أن أشارك وجبتي بفرح..

و أن اشارك دمعتي بأمان..

وأن أضع رأسي على حضن أنثى، بدون أن أخاف على تحطم رجولتي..

أن أعيش اللحظة كما هي!

وأن افتح قلبي لمن يستحق!

وأن أبني واستثمر في الحب بثقة في القادم..

وإن انصدمت و وجدت أن من أحببته لا يستحق..؟

سأخرجه، و أداوي جروح قلبي بحُب ورحمة وقوة الإله..

ثم سأفتح قلبي من جديد..

وسأبحث عن من يستحق،،

مهمتي القادمة،،

ليس أن أكون شجاعاً في الحياة فقط!

بل أن أكون شُجاعاً في الحُب أيضاً.."

.

.

إليك صديقي القارىء:

إن لم تجد من يحبك!

فتأكد أن الإله يُحبك..

والكون يحبك..

ورؤى تُحبك..

والحُب حولك وداخلك وخارجك، أسقِط الحواجز..

عيش اللحظة..

كُن حقيقياً..

رؤى 💜


طلب صغير: إذا وجدت في هذه القصص شيء يلمس قلبك؟

أتمنى أنك تشاركه مع كل شخص تحبه🤗

ولا تنسَ أن تشترك أنت ومن تُحب في النشرة البريدية، في الأيام القادمة سأساعدك على تغيير قصتك، إلى قصة أجمل، تستحقها وتستحقك..



©2020 by Roaa Center for Wellbeing