أيّ قصة حُبّ تعيش؟ - الجزء الثاني

١ أكتوبر ٢٠٠٢

"أخيراً أصبحت كبيرة، عمري اثنا عشر عاماً، مرّ عليّ عقدٌ من الزمان وأنا طفلة، الآن سيبدأ عقدٌ آخر وأنا امرأة كبيرة قوية، كل عيد ميلاد يمر عليّ اطلب من أهلي حفلة، ولا أحد يسمعني، ماما تقول عنها كلام فاضي وأهم شي الفرح في القلب، تقول أنها سعيدة بوجودي ولا احتاج هدية لإثبات ذلك، ولكني أشكّ في كلامها، يبدو انها سعيدة بأي شيء في حياتها إلا أنا، وبما أني كبيرة، سأصنع حفلة عيد ميلادي لوحدي، وسأشتري كيكة آيسكريم اضع عليها اثنا عشر شمعة، وأغني لنفسي، حفلتي ستكون في سطح البيت، لا اريد أن يراني أحد، سأحتفل بنفسي وأفرح لوحدي..

كل عام وأنتِ كبيرة يا أنا.. كل عام وأنتِ قوية وطموحة..

أحبك جداً"


هكذا بدأت شموخ عامها الثاني عشر، ترقص على سطح المنزل، تحتفل بنفسها، وتكتب ذكرياتها بفردية طفلة قررت أن تكون امرأة وقوية معتمدة على نفسها،، ربما مثل أمها..

في هذا اليوم قررت شموخ في قرارة نفسها أن تصنع فرحتها وسعادتها لوحدها..

الأمر لم يكن عليها بهذه الصعوبة، فهي اعتادت أن تعتمد على نفسها من سنة الثامنة، لا تشكو لأحد حزنها بل تعالجه بالكتابة والرسم، وتذاكر لوحدها وتحصل على الامتياز، في البيت اعتادت أن تكون في خلوة مع نفسها حتى ولو كانت الغرفة ممتلئة بأخواتها الخمسة، وفي المدرسة صنعت لها وجوداً وصيتاً وتميزاً..

كانت ذكية اجتماعياً، تظهر ما تريده، وتقترب من صديقاتها وتُحب معلماتها، ولكنها تقف عند حدود معينه، فلا أحد تسمح له بتجاوز هذه الحدود..

يكفي من وجود الناس في حياتها أن يضحكوا معها، يدعموها وتدعمهم، تساعدهم ويساعدوها، ولكن العاطفة والحميمية هي عنصرين تملكها لوحدها فقط، ولا لأحد المشاركة فيها..

.

١ أكتوبر ٢٠١١

"عيدي اليوم عيدين، عيد ميلادي وعيد تخرجي من الجامعة، تخرجت بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى وكمان ترتيبي الثاني على الكلية، أنا سعيدة وفخورة جداً فيني، ممتنه لك يا الله، ممتنه لصديقاتي وأهلي، وقبل كل شيء ممتنه لنفسي، ممتنه لقوتي الداخلية، أنا من جعلت ذلك ممكناً، شكراً ياشموخ على كل شيء"..


على مشارف العام الثاني والعشرين، تخرجت شموخ وبدأت في الاستعداد للابتعاث إلى كندا لإكمال الماجستير، كل شيء كان مُيسّراً وكما يجب أن يكون، إلا دموع أباها وأمها وأخواتها الخمسة، لم يكن سهلاً أبداً، كانت لحظة ضعف لا تريد أن تذكرها، وهكذا كانت المطارات بالنسبة لها، دموع فراق وألم يبقى لأيام ربما لأسابيع.

في قرارة نفسها، أصبحت تكره المشاعر والعاطفة التي تصنع هذا الألم في أروقة المطارات، والتي تدفعها للدموع على وسادتها ليلاً..

لم تتحمل ألم الفراق، إنه ضعف لا يناسب القوة التي تطمح إليها، ولأنها تحب نفسها وترعاها جيداً قررت أن تحتمي من كل فرص الألم الممكنة، فقررت بطريقة غير واعية أن تغلق باب قلبها جيداً، لا قربٌ يشقيني، ولا حُبٌ يخرب خطة حياتي!

كانت خطتها ناجحة بدرجة كبيرة، مكنتها من المُضيّ بحياتها حقاً، كما تريد..

.

١ أكتوبر ٢٠١٧

"الله الله!!

ما كملت الثلاثين، والآن معاي الدكتوراة..

٢٨ سنة أنجزت فيها كل شي حسب خطتي..

أنا دكتورة.. كبيرة، وصغيرة..

لكن للأسف.. أفتقد لأشياء كثيرة..

هل سأكون زوجة يوماً ما؟

هل سأكون أماً؟

هل أريد ذلك؟"

.

انتهت شموخ من الدكتوراة، وبدأت تُفكر في سعادتها من الجوانب الأخرى، اكتشفت أنها فقيرة جداً في العلاقات، وقررت أن تكون ناجحة في العلاقات كذلك، لا تحب أن تسمع: "دكتورة عانس"..

للمرة الأولى فتحت باب قلبها للجنس الآخر..

والتقت بشخص مُعجب بها من فترة طويلة، ولأول مرة تنتبه لوجوده، خطوة تلو الأخرى، أحبته وأُعجبت به هي كذلك..

في أقل من عام تمت الخطوبة والزواج..

فتحت مذكراتها وكتبت:

"الحمدلله، أنا الآن دكتورة وزوجة، وقريب سأصبح أماً.."

.

.

٤ مايو ٢٠١٩

"اليوم.. هو يوم الندم..

اليوم.. هو يوم حريتي..

اليوم هو يوم طلاقي!

لماذا تزوجت أساساً؟

لماذا فتحت قلبي؟

لماذا سمحت لرجل أن يتحكم في حريتي وسعادتي وحياتي..

لماذا أحببت؟!

أليس الحب ضعفاً؟

لماذا وضعت نفسي مرة أخرى في هذا المكان؟

أحب.. واستجدي الحب!

أعتذر لك يا نفسي، لن أسمح لأحد أن يؤذيك أبداً.."

.

.

أغلقت مذكرتها، وبكيت طويلاً، تذكرت خيبات أملها من أمها، تذكرت البكاء في أروقة المطار، وتذكرت حفلات عيد الميلاد على السطح..

استيقظت صباحاً..

لبست أجمل مالديها، صنعت كوب قهوة فخم، قبل أن تخرج للعمل، فتحت باب غرفة ابنتها الرضيعة النائمة بجانب المربية، قبّلتها ورحلت..

.

في الطريق إلى العمل، بحثت عن أغنيتها القديمة المفضلة اختارت المقطع الذي تحبه، وشغلتها بأعلى صوت، ورقصت:

"فرقاك عادي ترى .. وأقل من عادي

انا من الله كذا .. لا عفت احد عفته

مانيب من يتبع للمقفين وينادي ..

ياعنك ماقفيت .. ماعيني بملتفته"

.

.

وهكذا كانت حياة شموخ!

إنجازات، عظمة، اسمها على شاشات التلفاز، تملك فيلا كبيرة، و وحيدة!

قوية مثل أمها..

ولها بنت قوية.. مثل أمها كذلك

.

ما رأيك في شموخ؟

هل جزء من قصتها يشبه في عمقه قصتك؟

هل تحمي قلبك؟ هل بابه مغلق؟

هل كانت أمك غائبة بعيدة عنك؟

هل أنت الآن أم/أب غائب بعيد؟

.

هل تريد أن تغيّر قصتك؟

أنا هنا أساعدك!

تغيير القصة،، بيدك أنت.

©2020 by Roaa Center for Wellbeing