مابين رغبة الروح و اختيار العقل


يُحكى أن هُناك روحاً إلهية عظيمة سكنت جسداً بشرياً مُعجز لتعيش قصة بشرية قصيرة وتعود إلى حيث كانت، أو أملاً بمكان أجمل وأقرب وأعظم..

ومابين يوم الولادة ويوم الوفاة، تكمن القصة التي قد ترفعها درجة أو ألف، أو تُسقطها درجة أو ألف..

هذه القصة التي أتت لتنسجها، لتبنيها، لتنمو من خلالها، ولتنمو مع وبأرواح أخرى قربها..

بدأت الروح رحلة الحياة البشرية وهي أقرب لحقيقتها الروحية، تلعب ماتحب، وتقول ماتؤمن، وتحلم بما تعشق..


ويومٌ يتلو الآخر، اذ القصة تتحول من قصتها إلى قصة أمها، و من لعبتها إلى لعبة أختها الكبرى، ومن مما تؤمن به إلى يؤمن به أباها، ومن حلمها إلى حلم المجتمع..

ويومٌ يتلو الآخر، قصة فوق قصة، قدوة فوق قدوة، فكرة فوق فكرة، و روحها.. هناك! بعيييييد..

ويومٌ تلو الآخر، القلق يزيد، الاحباط يُولد، التساؤلات تكثر، الألم يكبر، ثم تنتهي بلوم "الحياة"!

يحق لها أن تلوم الحياة، ربما لأنها اللعبة التي لا تعرف قوانينها..

اللعبة الصعبة المعقدة التي تستمتع فيها لحظة، ثم تتوه لحظات كثيرة!

اللعبة التي ما ان عرفت بعض حيلها، حتى أُخذت لمستوى أصعب، و تتوه مرة أخرى..


ويبقى السؤال؟

مابين المعتقدات عن الحياة والذات والدين والعلاقات، ومابين مشاغل العمل ومصاريف الأطفال ومرض الجسد، ومابين سهر الليل والجري في الصباح وملاحقة الوقت، ومابين الطفولة والشيخوخة، ومابين الولادة والوفاة..

أين هي الروح.. التي ابتدأت الرحلة؟

لماذا هي غائبة عن القرارات؟

لماذا هي غائبة عن اللحظات؟ والعلاقات؟ وكل الخيارات؟


إن هذه القصة هي قصة رؤى، وقصة أمل، وقصة محمد وزياد ونورة وهند وفؤاد وأحمد و ناصر و ريم و و و و ..

ربما هي قصة كل انسان!

نبدأ رحلتنا كروح.. نمضيها ببرنامج افتراضي صنعه أم أو أب أو معلم أو شيخ دين أو مجتمع، وفي كل المحطات نحلم ونكتشف أن الحلم لا يتوافق مع برنامجنا فنحذفه أو نضعه في قائمة الأهداف التي نعرف داخلنا أنها حلم لن يتحقق أبداً، وفي الأخير.. نقف لنتأمل حياتنا ونقول: " يا ليت.... "!

يا ليت أني تزوجت من أحب بدون خوف أهلي..

يا ليت أني بدأت مشروعي وحققت حلمي..

يا ليت أني كنت قريبة من اطفالي..

يا ليت أني تحررت من زواجي..

يا ليت أني اهتممتُ في زوجي..

يا ليت أني وأني وأني..


السؤال!

لماذا نؤجل أحلامنا؟

والسؤال الأهم..

أين هي روحنا؟ عن برامج عقلنا؟

والسؤال الأهم الأهم..

إلى متى سنؤجل أحلامنا؟

وإلى متى سنُبقي أرواحنا خارج القصة التي أتت من أجلها؟

إنك أيها الانسان هُنا لحكمة اختارتها روحك يوماً، واختارها لك الله قبل ذلك..

إنك هنا لتصنع أثر، مهما كان بسيطاً في نظر عقلك هو العظمة حينما ينبع من روحك..

رغبات الروح ليست براقة كبيرة صعبة، رغبات الروح شفافة سهلة عذبة..

و إمكانيات العقل البشري قد تصنع منها شيء عظيم يجلب لك المال والجاه ويضاعف أثرك على الناس بالملايين..


إنني أعرف روحاً تجد نفسها في الأمومة والاحتواء، فبذلك هي اختارت أن تكون أماً لثلاث أطفال أنجبتهم ، وتعيش حقيقتها معهم وتتطور برحلتها معهم، وتجد في ذلك معنى ورسالة..

وإني أعرف روحاً تجد نفسها في الأمومة والاحتواء، فبذلك هي تبنّت سبعة أطفال أيتام، وتعيش حقيقتها معهم، وتعيش لذات الشغف وروحانية الصلاة في لحظاتها معهم، وتجد في ذلك معنى ورسالة..

و إني أعرف روحاً تجد نفسها في الأمومة والاحتواء، فسخّرت نفسها لمساعدة اللاجئين في تركيا أطفالاً وكباراً، لم تكن أماً بالمسمى، ولكنها أماً لمئات الأشخاص في المخيمات..

روحك تناديك برغبتها، تطلب منك أن تسمعها كل صباح ومساء، ولكن صوتها خفيف أمام ضجّة بنات أفكار مجتمعك وأهلك و ظروفك..


روحك تناديك!

وعقلك إن سمع لها، سَيُعرّف لك ماتريد، سيشكل لك صُورا لتحقيق الرغبة، ربما صورة أو عشرة، ربما أكثر..

إن جزء من عظمة انسانيتك وقدراتك العقلية والحسيّة تكمن في قدرتك على تشكيل رغباتك وأحلامك من "روح" إلى "واقع" حقيقي تعيشه بحواسك الانسانية..

المشكلة تكمن حين لا يسمع عقلنا للروح..

أو حينما يسمع، فهو قد يعّقد الموضوع، ربما تسميه "الرسالة في الحياة" التي لا بد أن تكون استثنائية لم تتكرر وتحتاج كم مليون وسنوات لتتحقق..


ماذا يحدث حينما تسمع لروحك بفضول؟

ثم تعرف بدهشة؟

ثم تفكر بمنطقية كيف تجمع مابين رغبة روحك؟ ونقاط قوتك؟ ومهاراتك المكتسبة؟ و قيمك الأساسية؟

هُنا يحدث الإعجاز، الإعجاز في نظرك أنت!

ليس بالضرورة أن يكون إعجازاً في نظر الإعلام، أو نظر من حولك!

يكفي أنه اعجازا أنت تخشع له، أنت تبكي أمامه، أنت تصنعه تغذيه تبنيه تعيشه تتطور وتنمو تنمو تنمو به و معه وله ومن خلاله!


إنك الانسان..

إنك مخلوق المعنى..

أنك عطشان حتى تعيش معناك..

©2020 by Roaa Center for Wellbeing