• رؤى النمري

العلاقة انتهت.. أم اكتملت؟

في يومٍ من الأيام اخترت النزول لهذه الأرض، وأعلنت بداية رحلتك فيها بصرخة شجُاعة خائفة..

تقول من خلالها: "أنا موجود"..

رحلتك ابتدأت بالتعرف على وجه الانسانه التي أدمنت نبضات قلبها ٩ أشهر..

ابتدأت بحضن وقُبلة، واحتفالات وتكبيرات وأدعية..

لبضع سنوات لم تعرف في حياتك إلا هذه الأصوات، ولا تبحث إلا عن الماء الطعام والأمان والحُب..

وتمضي السنوات، تتسع احتياجاتك، تكبر طموحاتك، ولكن لاتزال في مُقدمتها: الماء والطعام والأمان والحُب..

الحُب..

الاحتياج النفسي الروحي الذي يُجمع عليه ١٠٠٪ من البشر، نختلف في تعريفه ولكننا نتفق على الشعور بالاحتواء، بالأمان، بالاهتمام، بالرعاية، بالقبول..

وفي طريق رحلة الحياة الطويلة، في بحثك عن الحُبّ، قد تمرّ بعدة محطات، أحدها رائع والآخر مؤلم والثالث قاسي والرابع مُذهل!


ابتداءاً بالعلاقة الأولى..

مروراً بالأب، الأخوة، الأصدقاء، الأحبة، الأبناء، الأزواج..

مابين هذه المحطات نتحول، ننمو، نتغير، ويُعاد تشكيلنا..

هل تستطيع تحديد تلك العلاقة التي غيّرتك؟ واسميتها نقطة التحول الأهم؟

هل تستطيع تذكر ملامح ذلك الانسان الذي أعاد تشكيلك؟

هل كان ذلك بالقسوة والألم؟ أم بالحب والرحمة؟

كيف ساهم في الوصول لما أنت هو اليوم؟

ماذا علمك؟ وبماذا دعمك؟

هل حقيقي كسرك؟ أم أشار إلى أماكن كسورك؟

هل حقيقي أذاك؟ أم أشار إلى أماكن ضعفك؟

كيف حال هذه العلاقة؟

هل انتهت؟

أم اكتملت؟

أم أنك بكل شجاعة وقوة وحُب وأمل مستمر فيها، وتخدمك؟

أم أنك بكل خوف وتعلق وفقر مُتمسك فيها، رغم أنها تُعيقك؟


هل تتمنى أن تكون للأبد؟

وهل يوجد "أبد" وكُلنا راحلون؟!

أم تقصد أنك تريدها لما بعد الحياة؟ 💕


البعض منّا يحين موعد مغادرته من المحطة، و يرفض!

قد يعتقد أنها نقطة الوصول النهائية، وبدونها "الموت"!

أو يعتقد أنها نقطة الوصول المفترضة، وبدونها "الفشل"!

أو يعتقد أنها نقطة الوصول التي يُحبها، وبدونها "لا حب"!

أو يعتقد أنها نقطة الوصول الوحيدة، وبدونها "الضياع"!

أو يعتقد أنها نقطة الوصول لذاته، وبدونها "لا وجود له"!

وهي في الحقيقة "محطة"!

محطة مُلهمة، قوية، عميقة، مؤثرة، ولكنها محطة خدمتك وطورتك ودعمتك بما تحتاج، وحان الوقت لمحطة أكثر قوة، أكثر انسجام مع مرحلتك، أكثر حكمة..


للأسف أحياناً نتخيل أننا أكثر حكمة من الله، فنصارع الأقدار، ونتمسك بالحُطام، ونرضى بالقليل، بل نُجبر أنفسنا أن تقبل الفُتات، ايماناً أن هذه نقطة الوصول، هذا النصيب، وهذه هي الحياة التي يجب أن نُحافظ عليها، وبعدها لا حياة!

هل حقاً يُريد لك الله هذا المستوى من الحياة؟

هل حقاً هذا اختيار الله لك؟ المعاناة؟

هل حقاً الله أخبرك أن العلاقات هي أقدار نهائية؟

هل حقاً ألهمك الله بأن تتعلق بشيء أو شخص أو مفهوم أو محطة، لا تخدمك؟

ماذا لو انتقلت للتوكل؟ حيث العمل بالأسباب وتوكيل الله بالنتيجة..

ماذا لو مارست التسليم؟ حيث تستودعه الأمنيات، و تعمل عليها بدون توقعات..

ماذا لو مارست التوحيد؟ حيث العبادة والتعلق بحبله وحده من دون الناس، من دون الأشياء، من دون الأهداف..

ماذا لو تخليت عن مالا يُعينك؟

ماذا لو سلمت مايُعيق رحلتك إليه؟

تخاف؟

ماذا لو تطمئن؟..

لأن الله معك..

تخاف على من معك؟

ماذا لو تتواضع و لا تُنسب إلى نفسك دور الإله؟؟

وتعود إلى الحقيقة بأن الله هو الراعي الرازق وأنت من الأسباب لذلك، لست المصدر أبداً..

إنني لا أنصحك بأن تتخلى عن كل علاقة تؤلمك، فالألم إحدى علامات الوجود وأحد دوافع النمو..


ولكني أسألك، هل هذه العلاقة المؤلمة.. لا زالت تخدمك؟ أم انتهت؟ أم اكتملت؟

النهاية تكون بقرار عقلي منك تهرب فيه من هذه التجربة وتحدياتها وشخصيتك فيها.. لا تريد أن ترى عيوبك أكثر من ذلك!

لا تريد أن يلمس أحد جروحك أكثر من ذلك..

لا تريد البذل والمحاولة أكثر من ذلك..

فالنهاية هي قرار بالانسحاب..

علامته الواضحة هو البحث عن الراحة في مكان آخر، أو لدى شخص آخر، أو لدى شيء آخر..

إدمان العلاقات، إدمان الحلويات، إدمان التسوق، إدمان العمل، إدمان القراءة، ادمان التلفزيون..

المهم هو الهروب!

إما اكتمال العلاقة..

يكون بقرار إلهي روحي، حيث الظروف والمشاعر والأحداث تقول لك: "حان الوقت"، هذه ليست نقطة الوصول..

جروحك تشافت، فلا تُستفز أكثر..

ذاتك ترى انعكاسها في الآخر، وتتقبلها..

محاولاتك للارتقاء بحياتك من خلال هذه العلاقة نجحت أخيراً، وأنت الآن بصورة أجمل وأكمل وأكثر نجاحاً وألقاً مقارنة بما قبل وصولك لها..

مشاعرك سلام وحب لك، وللآخر..

علامتها الواضحة هي الحضور والإدراك للمجريات، الامتنان لكل الآثار والدروس والتضحيات، ولكن الظروف خارجك والصوت داخلك وصوت شريكك كذلك، يُخبرك أن الرحلة اكتملت!

جسدك قد يدخل في حرب ليخبرك بعكس ذلك، يدفعك للجنون بهرموناته وندءاته، ولكن ربما بالهدوء والسكون تستطيع الاستماع لصوت روحك وإلهام الله لك، بأنها اكتملت..

العلاقة المُكتملة، بعدها حياة أخرى!

وكأنك ارتقيت في رحلة الحياة من مستوى لآخر..

وكأن الوجود يحتفل بك، تتوالى الأرزاق، رزق المال، رزق السعادة، رزق الحُب، رزق النور، رزق الجمال..

العلاقة المكتملة، تنظر لها بكل امتنان!

تقولها وأنت تعنيها: "شكراً لكل شيء"!

حتى لو كانت مؤلمة في مجرياتها، ولكن آثارها الإيجابية واضحة في واقعك، في أخلاقك، في تعاملاتك، في مشاعرك، في وعيك، في علاقتك مع الله، مع أطفالك، مع ذاتك!

ترى وتُدرك كيف ساعدك هذا الانسان بالارتقاء بحياتك..

هذه العلاقة المكتملة!!

لا تهرب قبل اكتمال العلاقة..

ولا تُعيق تطورك بعلاقة مُكتملة..

وإن اعتقدت أنك في نقطة الوصول النهائية، ثم انصدمت يوماً أنها "محطة"، احزن لكن لا تيأس..

وتذكر: نقطة الوصول النهائية هي لله!

كل الحياة محطات، ابتداءاً بعلاقتك مع تلك الانسانه التي شاركتها نبضات قلبها وجريان دمها وطعامها وأنفاسها ٩ أشهر..

لا تحزن..

كلنا مثلك!

وهذا مايجعل تجربتنا الإنسانية مستحيلة في بعض لحظاتها، وجليلة في كل لحظاتها!

هذا هو التوحيد..

أن تقبل أن النقطة النهائية.. لله!

أن تتخلى عن مالا يخدمك ولا يخدم من معك، أملاً في الوصول إليه!

مالا يخدمك من معتقدات، من عادات، من أهداف، من أماكن، من أشخاص..

الهدف ليس السعادة في هذه اللحظة فقط، الهدف الحقيقي هو العودة لله بصورة أجمل، أرقى وأكثر فخراً..

و روحك وافقت على ذلك قبل حضورها هُنا..

وافقت حينما اختارت أن تكون في صورة إنسانية، غير سهلة!

روحك تعرف أن طريق الحياة يتألف من محطات، وقبلت ذلك..

لا تعارض رغبة روحك، وتعاند أقدراك الإلهية، بالتمسك بالفتات والرضا بعلاقات تعطل نموك وازدهارك..

ولا تعارض رغبة روحك، وتعاند وترفض المساعدة والدعم والدروس والرسائل التي تجدها في هذه العلاقات..

إن هربت، ستجد محطة مشابهة، بنفس الدروس في الطريق!

لن تهرب من حقيقتك، حتى تواجهها..

وإن اكتملت رحلتك، ستعرف ذلك، ستسمع الإجابة، و سترى ذلك جيداً بعد انتقالك..

تذكر الصداقات التي غيرتك باكتمالها..

تذكر العلاقات الأسرية التي حولتك باكتمالها..

تذكر العلاقات العاطفية التي اعادت تشكيلك باكتمالها..

افتح قلبك بشجاعة، ولكن ارسم حدودك..

اعطي بكرم، ولكن ليس فوق قدرتك..

ارسم أحلاما، لكن منطقية..

وإن حان الرحيل، احزن لكن لا تيأس!

امامك الأجمل، أمامك نقطة الوصول النهائية، اطمح لها..

وتمسكّ بحبل الله..

شُكراً لأنك هُنا.. 💗

©2020 by Roaa Center for Wellbeing