• رؤى النمري

تجليات الحُبّ الروحي



"أحبك"!

قد تقولها لإنسان لمس قلبك من لحظة واحدة، أو لانسان منحك اهتمامه شهوراً..

"أحبك"!

قد تقولها لروح بعثرتك وقلبت كيانك وهدمت أفكارك، وقد تقولها لروح احتوتك ودثّرتك وزمّلتك..

"أحبك"!

قد تقولها لانسان لا تعرفه، لا يسمعك، من خلف الشاشة أو من وراء حجاب!

وقد تقولها في سجودك، لإله يسمعك، يفهم احساسك، ويُعينك في أنفاسك!

وقد تقولها للسماء التي تُظِّلك، وللشمس التي لا تخلف وعدها في الشروق عليك، وللقمر الذي يبتسم لك في الظُّلمة!

"أحبك"!

قد يقولها من يعني انجذاب الجسد، و قد يقولها من يعني تشابه الفكر، و قد يقولها من يعني تعانق الروح، وقد يقُولها من يعنيها كُلها!

الحب، هو الاحتياج والشعور والحقيقة التي يبحث عنها كل انسان على وجه الأرض..

ابتداءاً من صرختنا الأولى إلى رحيلنا الأخير..

كلنا نبحث عن الحب، غير أننا نختلف في تعريفنا له!

بعضنا يبحث عنه في صورة اهتمام، الآخر في احتواء، والآخر في دعم، والآخر في وفاء..

بعضنا يسعى له كروح، وبعضنا كمادة، وبعضنا كفكر، وبعضنا يجمعه في كُلّ الصور!

أتذكر جيداً ليلة رأس السنة عام ٢٠١٥..

كتبت قائمة أهدافي، بعضها كان حقيقي وأغلبها عكس ذلك..

ولكن أهم وأغرب هدف كان "يارب علمّني الحبّ"!



كنتُ أعرف أنني لا أرى الحُب، ولا أعرف حقيقته..

كنت أعرف أن كلمة "أحبك" ناقصة جداً!

وأن سجودي فيه شيء ناقص كذلك!

وأن الحياة ليست هذه فقط..

كنتُ أعرف إنها تفتقد الحب..

أذكر أني كنت بين عائلتي وموطني من بعد غياب طويل، وأملك عشرات الصداقات الثرية، ومستمتعة باهتماماتي الجديدة، إلا أن الحب "مفقود"!

وكأنه شيء مجهول لم أعرفه أبداً!

وكأن الحياة مزيفة جداً، وكلمة "أحبك" ناقصة جداً..

والسجود لله غير مشبع أبداً..

"يا الله علمني الحب"!

مرّت الأيام ونسيت طلبي، ولم ينساه الله، وكان الله كريماً، كعادته!

ومنحني سُبلاً لذلك، بعضها جميلة وأغلبها مُذهلة وقاسية..

و في رحلتي في مدرسة الحب، وجدت أنه في أرقى مستوياته يكون..

شعور..

وعي..

مقام..


الحُبّ كـ "شُعور"..


شعور الحب الحقيقي الروحي..

الذي يتجاوز هرمونات الجسد، وتوافق الفكر واعجاب الشخصيات، إلى تعارف الأرواح، اندماجها والعيش من خلالها..

ذلك الشعور الذي يستوقفك!

لتكتشف أنك ربما لأول مرة، تعيش حقيقتك!

لأنه يخترقك جداً، ويهدم مافي طريقه لروحك!

يُعريّك من زيفك، يعلمك أنك أكبر من ألقابك، وأنك شفاف جداً، صادق جداً، رحوم جداً..

مهما تماديت بقوتك، من بعده أنت انسان.. جداً!

حيث تسكنك الرحمة، للأبد..

و تعرف طريقك الدمعة، لتغسل روحك وقلبك من كل ماعداه..

شعور الحب الحقيقي الروحي، لا يحتاج مقدمات وأيام لتتأكد منه!

إن كنت حاضراً في اللحظة، ستتعرف عليه فوراً..

وستبكي امتناناً ودهشة لله!

ستتفاجأ من جمال الحياة!

وقد تشعر أنها فقط للتو ابتدأت، وكل ماقبل هذا الشعور كان قشرة الحياة!

قد تنتبه أن جُملتك يُكمّلها شخصٌ آخر..

وأن شعورك يكتبه قلمٌ آخر..

قد تتفاجأ أنه يرى جمالك أكثر منك..

ليس جاذبيتك وابداعك الخارجي فقط، بل يعرف حتى جمالك الروحي، الذي لم تُدركه أنت بعد..

قد تلاحظ أنك للمرة الأولى تنتمي لأحد!

قد تُذهل بمدى كرمك، ومدى حنانك، ومدى عطائك، ولطفك، وتسامحك مع هذا الانسان..

وحينما تُفكر كيف جمعكما الكون.. صدفة؟!

وتعود لتتبع الأحداث، ستجد أن لا شيء صدفة!

من المقدّر لك أن تجرب هذا الشعور السماوي وأنت على الأرض، لأنك تستحقه..

ومن المقدّر أنك تعيش هذا التجربة لأنه حان وقتها، حان وقت أن تعرف الحب..

الحبّ الذي يغيّر خارطتك..

يُعيدك إلى ذاتك!

يكسر قيودك!

ويعرّفك بقوته، ويهدم ماعداه..

شعور الحبّ الروحي الحقيقي..

ليس وردي دائماً!

لكنه سماوي دائماً..

حقيقي جداً لدرجة أنه يُعذّب الأنا، يكسر مافي سبيله، من غيرة وكره وشروط ومادية..

حقيقي جداً لدرجة أنه يعلّمك الشجاعة، في أن تكون حقيقتك، أن تقول حقيقتك، وأن تسعى لحقيقتك..

حقيقي جداً لدرجة أنه يتحداك، كأقوى مسار روحي أرضي يمكن أن تسلكه..

يتحداك، يدفعك، يستفزك، حتى تنتقل من مستوى "الشعور" إلى مستوى "الوعي"!


الحب كـ "وعي"!

هل عرفت كيف تحبّ هذا الانسان؟!

كيف تحبه حتى في تلك اللحظة التي تكره فيها كل افعاله؟

هل تستطيع عيش واعتناق حقيقة الحبّ حتى في غيابه؟

هل أخيراً تستطيع أن تغفر له كل اخطاؤه؟

هل تستطيع أن تكون الرحمة، والغفران، والصدق معه؟

الآن.. حان الوقت أن تتعلم الحب كـ "وعي"!

وأن تأخذ الرحمة تلك لبُعدٍ أكبر من هذا الانسان..

لتصل لكل انسان..

إبتداءاً بذاتك..

فترى حقيقتك، وتحبها كما هي!

وتُدرك جلال روحك، وتقدسها لذلك!

وترى جلال روح كل انسان، وتقدسها أيضاً لذلك!

بعيداً عن دينها إن كنت تتفق معه أو لا..

بعيداً عن لغتها إن كنت تفهمها أو لا..

بعيداً عن هويتها السياسية إن كانت تُناسبك أو لا..

الحب كـ "وعي"..

أن تنظر لخريطة الأرض، وتعرف أنها كلها "وطن"!

وأن تنظر لخارج الانسان، وتعرف أن جمال الله يسكنه..

وأن تؤمن بالدين الذي يجمعك بكل انسان، دين الحب..

وأن تتحدث باللغة التي يعرفها كل انسان، لغة الحُب..

وأن تحمل الهوية التي تجمعنا كانسانية مع كل تفاصيل الكون، هوية الحُب..

الحب كـ"وعي"!

أن تُدرك عمق الحب الذي يسكن تفاصيل البحر، والشجر والمطر والحيوان والغابة والصحراء..

وأن تدرك عُمق الحب الذي يجمعك بكل ذلك!

وأن تدرك أنك خُلقت بحب، كما خُلق كل مخلوق آخر بحُب..

وأن تُدرك أن الحُب يتعدى لحظة العناق الطويل، ولحظة الاهتمام الجميل، ولحظة الأغنية الساحرة، إلى لحظات السكون، لحظات الصلاة، لحظات التأمل، ولحظات النوم..

الحب كـ "وعي"!

ألا تسأل "يا الله ارزقني حبّك"!

فقط تغمض عيناك، لتُدرك أن حبه يجري فيك مجرى الدم..

لتُدرِك أنه يطوف حولك في كل لحظاتك..

لتُدرِك أنه كان دائما يحتويك، حتى حينما لم تعي ذلك..

لتُدرِك أنه لا يشترط عليك شرطاً واحداً لتستحقه..

الحب كـ "وعي"!

ألا تسأل "يا الله كنّ معي" في لحظات الألم..

بل توجّه حضورك لمعيته!

وتندهش من لطفه معك، من قوته فيك، ومن حُبّه لك!

حبه لك يتجلى في كل شيء، في خلقه، في رزقه، في طاقته، في عنايته، في رحمته!

رحمته تلك التي تعيشها كحالة عميقة في أيامك!

تستلهمها وكأنها نهرٌ لا ينضب..

تناديها ليس لتأتيك، بل لتأتي أنت إليها..

الحُب كـ"وعي"!

أن تُدرك رابطة الحب التي تربط كل تفاصيل الكون..

وترى الكون كتحفة إلهية صُنعت بحُب..

الحُبّ كـ "وعي"!

أن تُدرك قوة الشرّ، التدمير، الكره، العنصرية، التعلق، الأنانية، الفوقية، الحروب، العنف..

وتُدرك اختلافها الشديد عن الحبّ..

قد ترى من يعيش ألمها، وتنتبه لمن ينشرها..

و تدمع عيناك لذلك، و تتألم من معاناة الآخرين..

وتطلب "يا الله أريد أن أنشر الحبّ"!

وتسعى لذلك!

ويُباركك الإله، و تنتقل من الحب كـ"وعي" إلى.. الحب كـ "مقام".


الحُبّ كـ "مقام"..

ومن بعد سؤال الحُب..

والبحث عنه..

ومن بعد عيشه كحقيقة في كل اللحظات..

ومن بعد اعتناقه والتعمق فيه..

يأتي مقام الحُب!

كهِبة إلهية لا تعلم وقتها ولا تعرف كيف اهتديت لها..

غير أنك تعرف وتتيقن أنك تعيشها، وأصبحت مسؤول عنها و بِها..

أن تكون في الحُب مقاما، يعني أن تكون له باباً..

لا تتلذذ بشعوره فقط..

ولا تمنحه باهتمامك لشخص واحد أو عشرة فقط...

ولا تغنيه وتبتهج بموسيقاه..

بل تعيشه وتنشره وتعلمّه بصمتك، ولحنك، وأفعالك، ونظراتك، وبسماتك.. وأقوالك!

وكأنك تدعو من معك له!

وكأنك تنادي من في المعاناة، لبابه..

وكأنك تهديه نوراً في صندوق من جلالٍ وجمال، لمن تعرف ولا تعرف..

تهديه بطاقتك، تهديه بنيّتك، تهديه في صلواتك، تهديه في سكناتك!

تعلّمه كما علمك الله إياه..

وتنادي بقيّمه كما نادى الرسول محمد، كما نادت السيدة مريم، كما نادى النبيّ عيسى -عليهم السلام-..

تنادي بصوته كما نادى سيّدنا عُثمان، كما نادى حبيبنا عليّ، كما نادت الأم تريزا، كما نادى المناضل نيلسون مانديلا..

الحُبّ كـ "مقام"..

أن تؤمن فيه كقوة، تنشر النور، وتغذي الخير..

أن تُحارب بِه الكراهية والظلام والشر..

أن تكون صوت له، وتجلي من تجلياته، ونور من أنواره..

الحُبّ كـ "مقام"..

أن يتعلم من خلالك انسان واحد، الحب..

أن يتعلم من خلالك انسان واحد، الرحمة..

أن يتعلم من خلالك انسان واحد، الإنسانية..

أن يتصل من خلالك انسان واحد.. بالله!

أن تكون في الحُب مقاماً..

فإن ذلك شرفاً ومسؤولية..

لن تستطيع أن تكون كاذباً بعدها، مزيفاً، كارهاً، فوقياً، عنصرياً..

لا تستطيع رفع شعارات لا تمثلك!

لا تستطيع الانتماء لوطن ليس وطنك!

لن تستطيع خوض حرب ليست حربك!

لن تستطيع إبقاء علاقة لا تشبهك!

لن تستطيع الحفاظ على شيء لا يتوافق مع منزلة الحب فيك!


ستُهدم أشياء كثيرة!

ولكن الحب فيك سيُلهمك الحكمة من ذلك، وسترضى بعمق، بل ستمتنّ وتشكر كل ما انهدم..

وستبدأ في البناء من جديد، لكن هذه المرة بما يتوافق مع الحب..

ستتشكل حياتك من جديد، ستختلف المجريات، ستتغير عباراتك..

سيجهلك البعض، وسينجذب لك الكثير، من يُحب نورك و يشتاقه!

ستُخيف البعض، لأن نورك يهزّ ظلامهم!

ولكنك .. ستغفر.. ستفهم.. سترحم!

وستبكي كثيراً..

البكاء الذي يغسل رواسب وعيك القديم، الذي يطهّر قلبك من الران، ويطهر روحك من الأنا..

البكاء الذي يبعثرك ليجمعك، ويُغرقك ليُلهمك، ويُرهقك ليرفعك!

الحب الروحي ليس وردي دائماً..

لكنه سماوي أبداً..

وفي الصعود للسماء، التعب والألم والإرهاق والخوف يقف على محطات متباعدة..

وفي الصعود للسماء، قوة الله ورحمته ولطفه يقف على محطات متقاربة..

الحُب الروحي يُطهرك لتعود لحقيقتك!

يعريك لتكون بنورك!

لا تتجرأ وتطلب: "يا الله علمني الحُبّ"..

قبل أن تملك القوة لطريقه..

لا تسأل: "يا الله ارزقني من يحبني لحقيقتي"..

قبل أن تملك الشجاعة لتقف أمام من يعريك من زيفك..

لا تسجد وتنادي: "يا الله أكرمني حُبّك"..

قبل أن تملك القدرة على فتح قلبك لاستقبال حبه..

وحينما تفتح قلبك لحُبّه، لحب من يحبك لحقيقتك، لحب الحياة..

اعرف أنك تفتح قلبك للحرية، من قيود روحك، قيود مجتمعك، قيود الشيطان، و كُلّ القيود التي لا تخدمك!

اعرف أنك ستحُلق في سماء الله، كطير لا يحدّ روحه حد، ولا يُخيفه ظلام، ولا يحبسه خوف..

تريد الرحلة؟

نادي "يا الله علّمني الحبّ"..

و الحب سيعرف طريقه لك، لا تفعل شيئاً..

فقط كن شجاعاً بما فيه الكفاية..

.

.

.

كلمة منّي لرُوحك:

أغمض عينيك..

وأستشعر أني أحبك جداً.. لأنك تستحق الحبّ جداً!


رؤى

©2020 by Roaa Center for Wellbeing